عبد الشافى محمد عبد اللطيف
279
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
العربية في وسط آسيا « 1 » وبعد هزيمتهم تراجع الصينيون ، بل كان أثر الهزيمة شديدا عليهم إلى درجة أنهم تقاعسوا عن نصرة أمير أشرو سنة عندما استغاث بهم ضد المسلمين ، وكان هذا يعني أن العباسيين قد نجحوا في إبعاد الصين عن المعركة ، وبات على الأتراك الشرقيين أن يواجهوا العرب معتمدين على أنفسهم وكان هذا فوق طاقتهم ؛ لأن العباسيين أولوا المنطقة عناية كبيرة ، وواصلوا جهودهم في صد العدوان إلى أن زال خطر الأتراك الشرقيين ، وانتشر الأمن على الحدود ، وارتفع شأن الحكومة الإسلامية في عيون الناس ، مما مكّن للإسلام أن يمضي قدما في طريق الانتشار والنجاح ، وقد واكبت السياسة العباسية هذا التطور ، وشجعت الأتراك على اعتناق الإسلام بالإكثار من استخدامهم في الإدارة بل في الجيش نفسه ، والحق أن العباسيين اقتدوا في ذلك بالأمويين ، الذين سبق أن استخدموا غير المسلمين في الجيش ، فجاء العباسيون وتوسعوا في هذا المجال ، فقد أنشأ الفضل بن يحيى البرمكي - في عهد هارون الرشيد - فرقة كبيرة في خراسان من الأتراك الغربيين ، بلغ عدد أفرادها خمسين ألف مقاتل بعث منهم عشرين ألفا إلى بغداد ، وأطلق عليهم اسم الفرقة العباسية واشترك في قوات علي بن عبسي رجال من الصغد ، وكان جيش طاهر بن الحسين يضم سبعمائة من الخوارزمية ، والجديد في الأمر هنا هو استخدام الجنود الأتراك في بغداد نفسها . كما استن الخليفة المأمون ( 198 - 218 ه ) سنّة جديدة ، حيث دعا كثيرين من زعماء الأتراك إلى الدخول في خدمته في بغداد ومنحهم الصلات والعطايا ، وألحق كثيرا من فرسانهم بالحرس الخليفي « 2 » . وفي عهد الخليفة المعتصم ( 218 - 277 ه ) وضح أن الإسلام قد تمكن في بلاد ما وراء النهر ، ورسخت أقدامه ، حتى أن الأتراك الغربيين أنفسهم قد أصبحوا مادة الجهاد في سبيل اللّه ، والدفاع عن الإسلام ونشره بين الأتراك الشرقيين ، يقول البلاذري : « والمعتصم باللّه جل شهود عسكره من جند أهل ما وراء النهر ، من الصغد والفراغنة وأهل الشاش وغيرهم ، وحضر ملوكهم ببابه ، وغلب الإسلام على ما هناك ، وصار أهل تلك البلاد يغزون من وراءهم من الترك ففتح مواضع لم يصل إليها أحد من قبله » « 3 » .
--> ( 1 ) المرجع السابق ( ص 157 ) . ( 2 ) المرجع السابق ( ص 162 ، 163 ) . ( 3 ) فتوح البلدان ( ص 431 ) .